ابن ميثم البحراني

217

شرح نهج البلاغة

وقوله : واستراح قوم إلى الفتن . إشارة إلى من يعتزل الوقائع الَّتي ستقع في آخر الزمان من شيعة الحقّ وأنصاره . ويستريح إليها : أي يجد في اشتغال القوم بعضهم ببعض راحة له في الانقطاع والعزلة والخمول ، واشتيالهم عن لقاح حربهم : رفعهم لأنفسهم عن تهييجها ، واستعار لفظ اللقاح بفتح اللام لإثارة الحرب ملاحظة لشبهها بالناقة . وقوله : لم يمنّوا . جواب قوله : حتّى إذا اخلولق . والضمير في يمنّوا قال بعض الشارحين : إنّه عائد إلى العارفين الَّذين تقدّم ذكرهم في الفصل السابق يقول : حتّى إذا ألقى هؤلاء السلَّم إلى هذه الفئة الضالَّة وعجزوا واستراحوا من منابذتهم إلى فتنتهم تقيّة منهم أنهض اللَّه أولئك الَّذين خصّهم بحكمته وأطَّلعهم على أسرار العلوم فنهضوا ولم يمنّوا على اللَّه تعالى بالصبر في طاعته . وفي رواية بالنصر : أي بنصرهم له . ولم يستعظموا ما بذلوه من نفوسهم في طلب الحقّ حتّى إذا وافق القدر الَّذي هو وارد القضاء وتفصيله انقطاع مدّة هذه الفئة وارتفاع ما كان شمل الخلق من بلائهم حمل هؤلاء العارفون بصائرهم على أسيافهم ، وفيه معنى لطيف يريد أنّهم أظهروا عقايد قلوبهم للناس وكشفوها وجرّدوها مع تجريد سيوفهم فكأنّهم حملوها على سيوفهم فترى في غاية الجلاء والظهور كما ترى السيوف المجرّدة ، ومنهم من قال : أراد بالبصائر جمع بصيرة وهي الدم فكأنّه أراد طلبوا ثارهم والدماء الَّتي سفكتها تلك الفئة فكانت تلك الدماء المطلوب ثارها محمولة على أسيافهم المجرّدة للحرب ، وأشار بواعظهم إلى الإمام القائم . وأقول : يحتمل أن يريد بالضمير في يمنّوا وما بعده القوم الَّذين استراحوا إلى الفتنة واشتالوا عن لقاح الحرب ، وذلك أنّهم لم يفعلوا ذلك إلَّا لأنّه لم يؤذن لهم في القيام حين استراحتهم وإلقائهم السلَّم لهذه الفئة ، ولم يتمكَّنوا من مقاومتهم لعدم قيام القائم بالأمر فكانوا حين مسالمتهم صابرين على مضض من ألم المنكر الَّذي يشاهدونه غير مستعظمين لبذل أنفسهم في نصرة الحقّ لو ظهر من يكون لهم ظهر يلجئون إليه حتّى إذا ورد القضاء الإلهيّ بانقطاع مدّة بلاء هذه